القمار العقلي و نتائجه على حياة الانسان

ماذا يعني ان يكون الواحد مقامرا؟

المقامر هو انسان يحلم بالثراء و يعد نفسه بأن كل مرة يغامر فيها بمقادير من المال، سوف يربح، مهما خسر من قبل.
المقامر هو انسان لا تردعه التجربة و لا تثنيه نصائح الناس و انما هو شخص تَمَلَّكَهُ حب الثراء الى حد انه صار لا يهتم بالمنطق، بتجارب الاخرين، او حتى بما يحدث له من مشاكل مع القانون و فقر مدقع.

هل جميع ؛المقامرين؛ من نوع واحد؟

المفهوم العادي للمقامر هو الشخص الذي يقامر بالمال من خلال ألعاب على الانترنات او في منتديات القمار مع مجموعة من الناس لغاية الربح المادي.
لكن المفهوم غير المتداول للمقامر هو اي شخص تملكه حب الثراء و فكرة انه من الممكن أن يصير غنيا بين عشية و ضحاها، بقطع النظر عن مؤهلاته العقلية و الاكاديمية. و يعتقد المقامر أنه في امكانه تحقيق ذلك بعد دفع مقادير من المال. هذه المقادير المالية التي يدفعها عادة ما تحوله الى انسان اكثر فقرا، او تدخله في مشكلة مع القانون.
من اصناف المقامرين الغير معروفة جدا هم فئة من رجال و نساء سموا انفسهم برجال و نساء اعمال (business men and women ) و سخروا حياتهم للركض خلف اي فرصة يشتمون منها رائحة الثروة.

ما هو الفرق بين المقامر و رجل الاعمال؟

+رجل الاعمال له عقل نابغ في ميدان التجارة بالوراثة حتى و لو لم ينجح في الدراسات الاكاديمة العادية كمواد اللغة، التاريخ و الجغرافيا.
-المقامر هو انسان لا يفهم في التجارة رغم انه يتصور العكس. و لا تصدر قلة فهمه عن عدم تجربته في الميدان التجاري، بل عن اسباب ؛جينية؛، وراثية، متعلقة بشيء يسمى االحمض النووي DNA.

+رجل الاعمال ’يقيص قبل ما يغيص؛. لا يصنع شيئا الا اذا درسه لسنوات، آخذا تجارب الاخرين في الاعتبار و له عقل يفهم تلك التجارب بطريقه تفيده.
المقامر انسان انفعالي، تغلبه عواطفه الجامحة، فما يكاد يشرع في البحث و دراسة المشروع حتى يتعلق به و يشعر ان تجارب الاخرين التي صارت تعرقل طموحه، بلا نفع.

رجل الاعمال رصين ، حويط و واقعي، لا يعقد صفقة الا اذا توفرت كل شروط نجاحها حتى اذا كان ذلك يعني انه لن يصير غنيا بالسرعة و الكمية التي يتصورها الاخرون.
المقامر هو انسان يبني واقعه المزعوم على احلام و تجارب خاصة به او بالاشخاص المحيطين به. عادة ما يكون هؤلاء الاشخاص، اما أعداء في زي اصدقاء، يغارون من طموحه و يعملون على اثارة احلامه لدفعه للغرق، او جهلة، و ربما لهم نفس عقلية المقامر مدفونة فيهم، رغم انهم لا يتصرفون على اساسها.

+رجل الاعمال هو شخص غير عادي له حاسة شم خاصة جدا. يشتم الفرص الجيدة و الفرص السيئة، و الناس الذين اذا صادقهم و سيربح من ورائهم، و الناس الذين عليه تجنبهم لانهم سيغرقونه اذا لم يفعل، و يشتم الوقت المناسب للعمل المناسب.

المقامر يعيش في عقل مظلم لا ينيره غير حلمه الكاذب. اذا بدأت المشاكل، تبدأ سحب الحلم بالتلاشي كالسحاب الصيفي في يوم ريح، و اذا بالعقل يغزوه الظلام، فيصير الانسان يتخبط في العمى، لا يرى اين يسير و لا ماذا يصنع. يمتلئ عقله بالخوف و الشكوك، فلا يدري صوت من يسمع و صوت من يتجاهل. و لكنه عادة ما يتعرف على الاصوات التي غذت حلمه الكاذب فيما قبل فيستمع اليها، رغم انها قد اغرقته سابقا.

رجل الاعمال يتعلم من تجاربه لانه يتحمل مسؤولية أخطائه، و لو كانت صغيرة جدا، ويحاسب نفسه عليها مهما كانت مسؤولية الاخرين. رجل الاعمال الناجح هو من يتحمل مسؤولية الخطأ كليا و لا يلوم الا نفسه اما في القيام بالخطئ، او بالسماح للاخرين بالاضرار به. رجل الاعمال يتعض من ذلك الخطأ و يحسب له حسابا كبيرا في المستقبل.
-المقامر لا يفهم ابدا سبب فشله و دائما يعزيه الى ظروف خارجة عن اطاره. لذلك لا يتعلم ابدا كيف يتفادى الفشل. عقلية المقامر خاضعة تماما للحلم الذي يغذي تجربة القمار و لا يستطيع ان ينظر الى الحقيقة بدون نظارات الحلم الكاذب.
+رجل الاعمال ان أخطأ مرة، يتحمل مسؤولية خطئه و يتقبل العقوبة في صبر و جلد و يبدأ صفحة جديدة مبنية على اختيارات ليست فقط مختلفة، و لكنها ايضا من نوعية أصوب. فان كذب في صفقته الاولى و جنى ثمر كذبه، فانه في المرات القادمة لن يكتفي بعدم الكذب فحسب، و لكنه لن يغش، و لن يزور و لن يدخل صفقات غير مدروسة او موثوق فيها تماما. اي ان الرجل صار حريصا جدا على الانظباط و التأني و التمحص و التعقل و التخطيط للبعيد جدا. فهذا الرجل تعلم الدرس جيدا.
– أما المقامر، فيخطئ، ثم يحاول تجنب جني نتيجة خطئه، و عندما تحين ساعة الاختيار، يتخذ الاختيار الاسوأ من جديد. يتصور أن طبيعة اختياره الجديد مختلفة في جوهرها عن الاختيار السابق، لان الاحداث مختلفة، و لكن الاختلاف ظاهري فحسب. و المثال على ذلك، أن انسانا انقطع عن العمل لان المؤجر لم يكن يعامله بطريقة جيدة، دون ان يتأكد من ايجاد عمل اخر قبل الانقطاع. هذا هو الاختيار السيئ الاول. و اذا به يجد نفسه عاطلا عن العمل و قد رفض جميع الاجراء تشغيله لانه لم يحصل على شهادة من مؤجره السابق تثبت حسن سلوكه. و هنا يبدأ بجني طبيعة هذا الاختيار الاول. ثم قرر الرجل ان يكذب و يزور شهادة تقنع المؤجر الجديد بأنه ذا سلوك حسن. هذا هو الاختيار الثاني الجديد و القائم على محاولة التملص من تحمل نتائج الاختيار الاول. تصور الاجير ان اختياره هذا مختلفا عن نوعه لانه لا يمثل نفس طبيعة الاحداث السابقة. فهو لم يغادر العمل من جديد كما في المرة السابقة، بل هو، في هذه المرة يحاول اصلاح ما عطبه في الماضي و ذلك باختلاق شهادة حسن سيرة مزورة تضمن توفير عمل وعد نفسه بانه لن ينقطع عنه حتى يجد عملا احسن منه. و يُقبل الاجير على اساس الورقة المزورة، و لكن ما يفتأ ان ينكشف امر التزوير، فيرفع عليه المؤجر قضية تزوير في المحكمة و يدخل المؤجر السجن في حين انه كان لديه خيارات أفضل من التزوير. من هذه الخيارات ان يذهب للدراسة من جديد، و ان يتحصل على شهادة حسن سلوك من معلميه بدلا عن مؤجر وهمي، او ان يذهب و يعمل كمتطوع في احدى المؤسسات لبعض الاشهر، ثم يتحصل على نفس الشيئ. و بهذا كانت هناك اختيارات من نوعية افضل، و لكنها ليست بالضرورة اسهل. و لكن المؤجر منجذب طبيعيا للاختيارات السهلة. هذه الاختيارات هي غير مسؤولة و لاواعية، تمبني على الاندفاع اللَّاعقلاني، كالتحمس السريع، او الخوف، او الملل و الضجر، او حب المغامرة. وكلما تنوعت الاحداث، كلما توهم المؤجر انه بصدد القيام باختيار افضل، و لكن في الحقيقة اختياراته ما تفتأ ان تصبح أسوأ لأن نتيجة الخطأ هي دائما أصعب اصلاحًا من الوضعية قبل القيام بالخطأ الاول.

+و اخيرا و ليس آخرا، رجل الاعمال انسان عملي، مستعد دائما للانسحاب في اي وقت من المشروع الفاشل، حالما يتجلى امامه طبيعة الفشل، قبل أن يتكبد خسائر. رجل الاعمال لا يشعر بالتعلق بذلك المشروع بالظرورة، فينسحب في الوقت المناسب بدون ندم او حساسية.
-المقامر رجل يتعلق بمشروعه تعلق الرضيع الجائع بثدي امه، حتى و لو كان الحليب ساما. المقامر قد يكتشف عوامل الفشل في المشروع و لكن منطقة اللاوعي في عقله تحاول اخفاء الامر عن عقله الواعي، لانه صار مهووسا بالنجاح. المقامر لا يعرف كيف ينسحب بنفسه حتى يتورط و ينهدم صقف الحلم الكاذب عليه، و يبقى في وسط المبنى المهدوم، ما يزال يبكي و يرثي حظه، و لكنه مع ذلك لا يريد مغادرة المبنى/الحلم!

ما هو الحل؟

هل هناك امل في أن يغادر المقامر حالة الادمان الذهني و النفسي التي استعبدته و هدمت حياته؟

هذا ممكن، لكن بشروط عديدة عليها أن تتوفر قبل أن يستطيع المقامر ان يتحرر تماما من نير عبودية الادمان على حلم الثروة الكاذب.

الشرط الاول-i-

، على المقامر ان يتواضع تماما، و يعترف بحقيقته، و بحقيقة حلمه الكاذب. عليه اولا ان يغير نظرته الى نفسه. تلك النظرة الواثقة التي اوهمته بأن لديه عقل و دماغ التاجر الناجح و انه انسان موهوب و قادر ان يبني ثروة سريعة و أن يصير غنيا مثل السيد فلان، و السيد علان.
إن تغيير نظرة الانسان المعتد بنفسه، تجاه نفسه، و التوقف عن المقارنة، هي أصعب الخطوات في مسيرة العلاج.

الحل الاول: عادة ما تفشل مساعي العلاج لأن محاولة تغيير نظرة الانسان الى امكانياته العقلية ممكن أن ترمي به في حالة الاحباط النفسي و الانهيار العصبي و اليأس التام من الحياة. لذلك من الاحسن ان العلاج يكون على يد مختص نفسي لان المقامر لا يمكن عادة ان يلعب دور المريض و الطبيب في نفس الوقت.

الحل الثاني الذي يمكنه أن يخلص المقامر من اعتداده الزائف بنفسه بدون اضرار، هو أن يلقي بنفسه في تجربة روحية جديدة. هذي التجربة الروحية عليها ان تكون جيدة جدا و من النوع الذي يقوده الى الرقي النفسي بدون ان يحطمه كانسان. مثلا، عن طريق اعتناق المنهج الصحيح في المسيحية (لانه ليست كل مناهج المسيحية صحيحة). هنا ممكن أن يكتشف الشخص ان قيمته الحقيقية تكمن في وجوده في حد ذاته، لان الاهه و خالقه وحده هو من يعطيه قيمته، و ليس المجتمع. عندما يؤمن الشخص بهذا الشي، ممكن أن تشفيه هذه التجربة من كل انواع الادمان بما فيها عقلية المقامر.

 الشرط الثاني-ii-
– ان يغير حياته تماما بطريقة تجعله يتفادى اي أشخاص او مواقف ترجعه الى عادة الادمان السيئة. يجب ان يكون المريض على حذر دائما: من هم أصحابه؟ ما هي المواضيع التي يتطرقون اليها؟ و ما هي الاشياء التي يصنعونها معا.؟ يجب أن يقطع الشخص الراغب في الشفاء علاقاته القديمة و يبني علاقات جديدة مع اناس ناضجين، يشجعونه على الاشياء الجيدة، و ليسوا منحطين او لديهم احلام وهمية من نوع اخر. الاحلام الوهمية الاخرى ممكن أن تكون كالتالي: اذا فجرت نفسك باسم الله تذهب الى الجنة سريعا و تصير أغنى انسان في العالم (في السماء!) و تحضى بكل ما تهواه نفسك.
أو: اذا شربت الخمر و تعاطيت المخدرات، تشعر و كانك أغنى الناس على الارض!

-يجب على المقامر الذي يرغب في الشفاء أن يعترف لعائلته بان لديه مشكلة، و أن يقنعهم بأن يتوقفوا عن تذكيره بالحلم الكاذب او الاشارة الى اي شيئ ممكن أن يحيي جمرة الحلم الكاذب في نفسه و المثال على هذه الاقوايل التي لا تساعده في شيئ: ابن فلان الفلاني ماءن هاجر حتى صار في بحبوحة من أمره.
نلاحظ الطابع السحري الجاهل في هذا المقال. هذا المقال يتغاظى عن الجزئيات و يرفض البحث في الوقائع و التحري المنطقي عن جزئيات النجاح المزعوم: ما هو الدليل ان الشخص المذكور لم يكن لديه اي كفاءات سواء من الناحية العلمية، النفسية، الذهنية او الاجتماعية (كضمان علاقة قارة قبل الرحيل من الاوطان مثلا)؟ ما هو الدليل ان هذا الشخص يعيش الان حالة الرخاء المزعومة؟ ما هو الدليل على ان هذا الشخص حتى لو صار غنيا بالفعل، ان غناه صادر عن مجرد هجرته؟ ما هو الدليل على ان هذا الانسان ما يزال انسانا شريفا و ان عمله يتعلق بميدان شريف؟
شرط شفاء المقامر هو ان يقنع افراد عائلته بالتخلي عن الخرافات التي تغذي من ادمانه، او ان يسد اذنيه عن الانصات اليهم و ذلك بوضع ear phones و الاستماع الى اغاني ايجابية بدل عن ثرثراتهم السلبية!

الشرط الثالث-iii-

ان المقامر، بعد ان اعترف لنفسه تماما بحقيقة مشكلته، و بعد ان واجه ادمانه و فضحه لنفسه و رآه بوضوح، ان يجد في نفسه القدرة و العزيمة على ان ينتشل نفسه من تلك العادة و ذلك بالانقطاع عن اي ممارسات اخرى من شأنها ان تكرس جهله أو سطحية عقله. الامل الوحيد للمقامر في ان يشفى تماما هو ان يغير من عقله الى درجة ينمو عقله فيها و يصبح اكبر من الاحلام الزائفة و من الاكاذيب و الاساطير التي يحيكها الجهلة من حوله.
*من هذه الاعمال التي يجب التوقف عنها هي كل الالعاب التي لا تفيد عقله و لا تدفعه للنمو. مثلا، الالعاب التي تكرس غريزة العنف، من خلال العاب الحرب. او الالعاب التي تكرس المخاطرة و المغامرة. أثبت العلم بأن أحسن الالعاب التي تفيد الذهن هي الالعاب التي تنبني على أشكال نمطية (مثلثات، مربعات، الخ) و احسن هذه الالعاب هي candy crash (application sur portable) و لعبة الشطرنج على الانترنت و غيرها من الالعاب الفكرية لانها تنمي القدرة على التركيز و التفكير التجريدي و تروض العقل.
*و لكن العلم يفيد ان أحسن الالعاب اطلاقا هي تلك الالعاب الجسدية التي يقوم بها الشخص مع اصدقاء، كالكرة و المصارعة و تعلم قيادة الدراجة بطريقة جديدة و مثيرة، و تسلق الجبال و الهضاب (او الجدران!) و تعلم حركات او رياضات جسدية جديدة و السباحة و الترفيه عن النفس بالانخراط في اعمال فنية و ابتكارية كالمسرح و التصوير، الخ.
*احاطة العقل و الاذن بتعليم من نوع جديد يغرس الُمثُل العلي في الانسان كالتواضع، الصدق، الصراحة، اللطف، الرأفة، السماحة، الرحمة، و حب الغير حتى و ان لم يعجبونا او نتفق معهم. و في عصر الانترنات، من السهل وجود خطابات روحية (ليس بالضرورة دينية) تناقش و تَحُضُّ على تبني هذه المبادئ. الاستماع المستمر الى هذه الخطابات يمكن ان يغرس فينا هذه البذور، في نفس الوقت الذي يشرع في بناء عقلنا بطريقة جديدة تحملنا الى النضج.

الشرط الرابع-iv-

بعد ان تتحقق جميع الشروط الثلاثة الاولى، يبدأ الانسان في بناء نفسه من جديد، على نطاق تجريدي أولا. هذا يعني انه قبل ان نخوض في تجارب الحياة مباشرة محاولين اكتشاف مواهبنا، علينا ان نبدأ في بناء وعينا أولا.
يتطلب بناء الوعي الذاتي أسئلة تصدر عن ذواتنا، و أجوبة تصدر عن حكماء، اختبروا الحياة و وصلوا الى حكمة تمكن سامعها من التحرر من قيود الواقع السيئة و بلوغ مرحلة الاستنارة العقلية.

مثلا من هذه الاسئلة التي يمكنها ان تهز صلابة المعتقدات الراسخة و البديهيات الثقافية في عقولنا:
-ماذا نريد من الحياة؟ من نريد ان نكون؟
-ما معنى الالم، و هل أن جميع انواع الالم سيئة؟
-هل يمكننا أن نكبر و ننضج بدون ألم؟
-متى يمكن لتجاربنا المؤلمة أن تصير معلما حكيما في حياتنا؟
هل التواضع ميزة أم لعنة؟
-ما هو مفهوم السعادة الحقة؟ هل هو المال ام الاستقرار ام الروابط الاسرية، الخ؟
-ما هو الطريق لبلوغ السعادة: هل التظاهر امام الناس و التفاخر و التباهي، طريق يمكن ان يوصلنا الى السعادة الحقة؟
هل الاكتفاء و الرضى بالقليل هو طريق من طرق السعادة أم هو غباء و عمى كما تعتقد الاغلبية في يومنا هذا؟
هل السعادة في ما نملكه او في ما نرضـى به؟
هل السعادة في الجيب ام في القلب؟
هل السعادة في الرضى بالواقع ام في تغيير الواقع؟
متى علينا ان نسعى و نستمر في محاولة التغيير، و متى يصير رفض الواقع المنبع الاساسي لتعاستنا و شقاء ارواحنا؟
أين تكمن الحكمة؟ هل تكمن في القبول او في الرفض؟ هل تكمن في الانصياع او في التحدي؟
هل من الحكمة ان نرضى بكل شيئ، كالرضاء بكوننا نعاني من أزمات عقلية، او الرضاء بكوننا جهالا، او الرضاء بكوننا مقيدين بأغلال الادمان النفسي و الذهني؟
أم هل من الحكمة ان نرفض كل شيئ، كأن نرفض العمل الوحيد الذي أتيح لنا أو الاختصاص الانسب و الاكثر عملية لمستقبلنا؟ هل من الحكمة ان نرفض الحل الانسب لأزمتنا؟
هل من المقبول ان نرفض ان ننضج و ان نتحمل مسؤولية نضجنا و مسؤولية تغييرنا.
هل يجدر بنا أن نرفض ان نختار الاختيار الاكثر عقلانية و الاقل مخاطرة و تهورا.

إن الرفض و القبول معادلة صعبة جدا رغم انه من الضروري تواجد الاثنين معا في حياتنا. و لكن الحل الواعد للمعضلة الحقيقية لا يكمن في السؤال التالي: هل علينا أن نرفض أو أن نقبل بطريقة مجردة؟
الحل الواعد يكمن في هذا السؤال الناجع: متى علينا أن نقبل و متى يتوجب علينا أن نرفض؟ و بالتالي فان هناك رفضا ايجابيا و رفضا سلبيا، كما ان هناك قبولا ايجابيا و اخر سلبيا.

-I- الرفض الايجابي هو مبني على نقد ذاتي و اعتراف مسبق بالوضعية الني نحن فيها. فمن وجوه الرفض الايجابي هو ان نرفض ان نكون ضحية أمراض جسدية، عقلية أو نفسية. أن نرفض الخضوع لافكارنا الهدامة و لاساليب عيشنا غير النافعة. أن نرفض الاستمرار في حالة الجهل و الغباء التي تنبهنا اليها و ان نتحدى محدودية عقولنا و نتحدى الكسل و الاسترخاء و الاستسلام فينا، و الخضوع للظلام العقلي.

في حين انه من وجوه القبول الايجابي أن نقبل الاعتراف بمحدوديتنا بدون حسرة او حرج، لانه لا يمكن التعايش و تنمية ما لم نقبله. و سأضرب مثالين على ذلك.
المثال الاول: اذا كانت مداركنا العقلية متوسطة، فان قبول هذا الواقع قبولا تاما، ينشأ عنه الرضى و الفرح. و عندما نبدأ عملنا من خلفية الرضى و الفرح، فقط يمكننا الازدهار في مياديننا، أو على الاقل الاستقرار في عمل ما بنجاح، حتى لو كانت مداركنا متوسطة. و هذا هو الفرق بين عامل اشتغل طيلة حياته كمنظف مثلا، على أساس اقتناعه بأنه العمل الانسب له، و نتيجة لاستمراره و مثابرته، صار قادرا على شراء منزل، و على التزوج و انجاب أطفال، و توفير حياة مناسبة للجميع. و بين زميل له لم يقبل بان ذلك العمل مناسبا لمؤهلاته العقلية، رغم انه كذلك، فغادر العمل بعد سنة و انتقل الى عمل اخر احسن منه بقليل، و لكنه لم ينفك ان طُرد منه، و بقي ينتقل من عمل مؤقت الى اخر، تتخللها فترات طويلة من البطالة، و لم يستطع ان يجني شيئا في الاخر غير الحسرة و التذمر.
المثال الثاني: القبول بمواجهة الاوضاع الخارجة عن نطاقنا كما هي و العمل على تغييرها من الداخل، بدلا من الهروب منها. كأن نجد أنفسنا في علاقات لا تنبني على التوافق التام داخل اطار اجتماعي غير جيد. في هذا الاطار، يمكننا البدء بالارتفاع بانفسنا دون اعلاننا العداء ضد الاخرين. ثم يمكننا محاولة الاصلاح عن طريق ترويج نقد الافكار الرائجة و محاولة كسر نير التخلف و السلبية و نقد الهياكل الامبريالية التي تحاول استعباد المجموعات لمصالحها المادية، معترفين بمحدوديتنا و عدم كمالنا.

الرفض السلبي، من جهة ثانية له وجوه عديدة كذلك. من هذه الوجوه أن نرفض أن نتغير: و يعني ذلك أن نرفض أن نغير من أفكارنا المريضة و تصرفاتنا السيئة. و من الرفض السلبي هو أن نرفض الامساك بجماح احلامنا و مشاعرنا المتهورة و المتشنجة. وهو أن نرفض أن نقوم بواجباتنا، على الاقل تجاه أنفسنا، و تحمل مسؤوليات أفعالنا. و هو أن نرفض سلك طريق النضج و الوعي العقليين.

أما القبول السلبي، فمن وجوهه ان ننساق خلف مشاعر التحسر على ما فات، و الغضب على ما حدث لنا، و الاشتياق لمن هم ليسوا معنا، و الثورة و الفجوة تجاه من هم قريبون منا، و الاتكاء على آمال غير واعدة، و لاستسلام لرثاء انفسنا و البكاء على حالنا، و الاصرار على اتخاذ دور الضحية الى ما لا نهاية له، و هو ما يمكن ان يبني لنا مكانا يسميه البعض جهنم. إن جهنم هي المكان الذي تجد فيه الروح نفسها في موضع رفض و استسلام كاملين. رفض لما لا يجب ان يُرفض، و استسلام لما لا يجب ان يُستلم له. تلك هي جهنم، و الكثير يعيشونها الان و هم ما يزالون في الجسد. و لتفسير ذلك، نضرب مثالين متناقضين من صميم الحياة لشخصين أحدهما يعيش جنة عقلية رغم أنه في جحيم فعلي و الاخر يعيش جحيما عقليا رغم انه في جنة فعلية.
-فتاة مراهقة في الهند تستولي عليها عصابة المتاجرة في النساء فيحاولون ارغامها على العهر و لكنها ترفض، فيضعونها في قفص ضيق جدا لمدة اشهر لكسر ارادتها و تطويعها. هذا القفص هو من الصغر بحيث لا يمكن للانسان الجلوس فيه، و لكن لايمكن ايضا الوقوف فيه! و لكن الفتاة التي دربتها عائلتها على التأمل العقلي المحض من قبل: meditation, تمكنت من امتلاك زمام حياتها العقلية فعاشت في جنة ذهنية و روحية و ذلك بقبول واقعها المادي قبولا تاما و انشاء علاقة روحية مع منقذها الروحي اللامرئي، الذي ساعدها على العيش في جنة تصورية بحتة، و لكنها كانت واقعية بالنسبة اليها، حتى سنحت الفرصة لهروبها من القفص.
المثال الثاني: سيدة ثرية جدا، تولد ثرية، لا تتعرض الى اي انواع الاعتداء الجنسي او الجسدي، تعيش حياة سهلة جدا، تتعرف على رجل ثري جدا، تقع في غرامه، تتزوجه و تنجب منه اطفالا، و تعيش حياة الجميع من امثالنا يتصور انها جنة على وجه الارض. و مع ذلك تعيش المرأة في حالة جحيم من الرفض و الاستسلام السلبيين لكل جزء من أجزاء حياتها. ركز عقلها على النقاط السلبية في حياتها و تضخمت هذه النقاط لتطغى على تصورها تماما: امها اهملتها في صغرها و لم تنشئ علاقة وطيدة معها. ابوها انشأ علاقة جنسية مع امرأة اخرى و كان غالبا بعيدا عن البيت. لم تنسجم مع باقي التلاميذ في المدرسة و يعود هذا في اعتقادها الى كونها ليست جميلة جدا. زوجها لا يحبها و لكنه يعيش معها لاجل الاطفال. ربما هو يخدعها كما فعل ابوها من قبل. الاطفال لا يجلبون الفرح الى قلبها لاسباب عديدة. الاصدقاء سطحيين و لا يكنون لها حبا حقيقيا و انما يتظاهرون فقط. الحياة لا تستحق العيش لانها جحيم. و لأن عقل هذه المرأة الثرية كان مدفوعا للنظر الى النصف الفارغ من الكأس، كما يقول الانجليز، و لانها عجزت عن كبح جماح مشاعرها و تعديل طريقة تفكيرها، ذهبت لتشتري ما يكفي من المخدرات لتقضي على حياتها.
هذه الامثلة مستوحاة من أخبار حقيقية موجودة في روابط انترنات في قدم الصفحة.

بالاضافة الى خوض تلك الاسئلة المذكورة أعلاه، علينا ان نستمر في الاستماع الى خطابات و تعاليم أشخاص ذو خبرة كبيرة في ميدان الروحانيات و علم النفس و الحكمة عموما. علينا ان نستوعب الخطاب الانسب الذي قيل عنه انه الخطاب الاكثر واقعية و الاكثر تنويرا و الاكثر اراحة لنا و لادمغتنا و قلوبنا على المدى الطويل. الخطاب الذي يحضنا ان نفعل ما يجب فعله، لا ما نرغب و نميل الى فعله. الخطاب الذي يعلمنا ان نكون اكثر واقعية و اكثر تشددا مع النفس، انفسنا (لا مع الاخرين). الخطاب الذي يربي النفس المصغية اليه، كما يربي الوالدان المستقيمان صغيرهما، بشدة لينة، و لين متشدد. يجب علينا ان نحاول العثور على الطريق الانسب الذي يضمن لنا شفاءنا النفسي. هذه مسؤوليتنا و حق أنفسنا علينا. و هذا الطريق المبني على الاستماع الى الحكماء، هو من الطرق التي يجدر بنا ان نجرب السير فيها و نختبر مدى نفعها لنا.

الشرط الخامس-v-

بعد ان يبني الانسان نفسه ذهنيا من جديد، و يتحرر من قيود الادمان و المرض، و يتحرر من جميع الاكاذيب و الحقائق الزائفة، و يرفض بشدة ان يكون ضحية أكاذيب العقل المريض من جديد، و يدرك المفهوم الحقيقي للسعادة عن طريق تعاليم الحكماء و تجارب الاشخاص الناضجين، و يتعلم من تجارب اناس قد أخطؤوا ثم تعلموا من الحياة و من أخطاء الماضي، و وجدوا لانفسهم سبيلا جديدا للعيش، بعد ذلك كله، قد يكتشف هذا الشخص ان الاسلوب الانسب للعيش هو الاسلوب التقليدي الذي اتخذه أجدادنا من قبلنا!
و معنى ذلك أن كلنا محدود بمدارك عقلية معينة لن تتغير ابدا، و هي مقدار ذكائنا الاقتصادي. يولد الانسان و عنده ملكة معينة اللذكاء الاقتصادي و المواهب المنتجة. البعض، يولدون بقدرة خارقة على النجاح و البعض يولدون بقدرات متوسطة، و الاخرون بقدرات سيئة، واخرون بقدرات اسوأ، و هكذا. لم نولد كلنا لنصير أثرياء.أو دكاترة. أو فنانين مشهورين. أو سياسيين او عباقرة او علماء او مبشرين روحيين، الخ. و لكن كل انسان، مهما قلت مواهبه العقلية، او الاقتصادية او الفنية او العلمية، فله دور فعال في الحياة و تأثير كبير على المجتمع. و كلما تقبل الانسان قدراته البيولوجية الطبيعية و ظروفه الخارجية، كلما ازداد تأثيره الايجابي على المجتمع و من ثم على الكون بأسره، و العكس صحيح عندما يعجز الانسان عن تقبل نفسه، اي مداركه و مواهبه الطبيعية و ظروفه الحياتية.

عندما يتخلص الانسان من الغرور او الخوف من تقييم الاخرين و استهزائهم و عندما يتحرر من عقدة النقص و الحاجة الى اعجاب الاخرين و ابهارهم بقدرات خارقة، عندها فقط سيعرف الانسان حدوده و سيرى، بموضوعية، الحرفة التي وُلد ليحترفها. مثلا: الكثير من الناس تعلموا و اجتهدوا كثيرا في المدارس و الجامعات محاولين ارضاء غرورهم النفسي او الاستجابة الى رغبة عائلاتهم او خوفا من الفقر، الخ. و لكنهم في النهاية اكتشفوا انهم مهما فعلوا و اجتهدوا، لم و لن يقدروا الا على ضمان مؤهلات جامعية متواضعة جدا لم و لن تساعدهم على تحصيل الوظيفة التي كانوا ينتظرونها. ثم اشتغلوا و اكتشفوا ان هناك عوائق كثيرة لم تكن لديهم القدرات العقلية و النفسية لتجاوزها. فتدفعهم الحاجة او الصدفة للقيام بتمرين في مجال اخر لم يخطر على بالهم قط من قبل. فاذا بهم يكتشفون ذواتهم في وظيفة من نوع اخر، متواضعة لم يتصوروها أبدا. و رغم ان هذه الوظيفة لا ترضي غرورهم او تلبي طموح اقاربهم، الا انها الحرفة الاسهل او التي تمكنهم من النجاح بتفوق، او التي شعروا بالقدرة على تطبيقها و النمو فيها.
فالعمل المثالي ليس هو ما يلبي طموحاتنا او طموحات اقاربنا ، بل هو ما نقدر على القيام به بنجاح. لذلك نرى ان البعض يبدؤون في العمل في ميدان متواضع جدا كالتنظيف مثلا، ثم يكبرون مع العمل و يصيرون أصحاب شركات تنظيف، لان مؤهلاتهم العقلية كانت أكبر من العمل الذي قبلوه على انفسهم في البداية، لتواضعهم. أو نرى اخرين يعملون بِحِرَفٍ متواضعة جدا، و لكنهم يجنون مالا وفيرا من عملهم المتواضع الذي ربما لم يرضى به الاغلية، فصار غرور الاغلبية نعمة عليهم لانهم قلة و العمل متوفر جدا. المثال الانسب لهذا هو مهنة اللحامة في انقلترا. أو نرى فئة ثالثة استقرت في أعمال متواضعة جدا و لم يحاولوا ابدا ان يكبروا مع العمل لأنهم وجدوا السعادة في عمل، رغم انه يحقق دخلا متواضعا، الا انه بدون مسؤوليات كثيرة و مشاكل و ضغوطات. فوجدوا سعادتهم في السلام و الهدوء و محدودية حجم مسؤولياتهم.

الخلاصة

و نرى بذلك ان السعادة لا تتحقق الا عندما نعرف و نفهم ملكاتنا العقلية و حدودنا الذهنية جيدا.
و هذه الاخيرة لن تتحقق الا اذا ”أصلحنا من أنفسنا“، و هذا يعني تخلينا عن كل النوازع المريضة و الطموحات الطماعة و قيود الادمان و العبودية و الغرور و الانانية، و الجزع، و الرغبة على السيطرة و التوصل الى ما نميل اليه بدون اعتبار للاخرين او للوسيلة التي نتخذها (الغاية لا تبرر الوسيلة). أي عندما نصير واقعيين و أصحاء نفسيا.

و ذلك لن يتحقق الا اذا صرنا واعين بحالتنا النفسية و قبلناها و اعترفنا بها، اي اذا تواضعنا بما فيه الكفاية، بما يسمح لنا ان نقبل بذلك التشخيص. في الكتب السماوية، يذكر ان ابليس سقط من رحمة الله من أجل غروره و تكبره. و سواء امنا بهذه القصة ام لا، يبقى ان الحقيقة التي لا خلاف فيها من وراء هذه القصة ان الغرور و التكبر هما اساس كل الامراض النفسية و العقلية، و بالتالي اساس الشر، لأن المرض النفسي يؤدي الى فعل الشر، و الشر دائما ناجما عن خلل ذهني و نفسي.

التواضع ليس فقط الخطوة الاولى تجاه الشفاء النفسي، بل و كذلك تجاه النمو و النضج العقلي. هناك قصة تتعلق بعالم ديني مسلم متضلع في الفقه و دارس لدرجات عالية جدا. ذهب يوما الى الهند و سمع بهذا الحكيم الذي يصنع المعجزات، و ذهب اليه و شاهد المعجزات بعينه، فاراد ان يتعلم منه سر حكمته، عسى ان يصير اكثر علما مما كان عليه، فيعود الى بلده و يتفاخر بمعرفته الجديدة على غيره من الفقهاء. فذهب اليه في يوم اخر و كان جالسا يشرب الشاي. فدعاه الحكيم للجلوس معه. و بعد سماع مطلبه، قدم اليه فنجانا فارغا و شرع في صب الشاي في الفنجان حتى امتلأ الفنجان، و لكن الحكيم لم يتوقف عن الصب و انسكب الشاي على القاع و كاد يبلل ثياب الضيف، فصرخ الفقيه: ”توفق، توقف، لا يمكنك ان تملأ الفنجان أكثر، لأنه ممتلئ! دعني أفرغه ثم يمكنك ان تملأه فيما بعد.“
فتوقف الحكيم مبتسما و قال للفقيه: ”و كذلك عقلك. اذا اردتني أن أملأه بالحكمة، فعليك أن تفرغه من كل ما قرأته و علمته من قبل، و الا فانك لن تستوعب شيئا. فأنت الان ممتلئ بالكبرياء لكثرة علمك بما تعلمته من قبل. انسى ما تعلمته، فتتواضع و ينفتح عقلك لتعلم الحكمة.“
و الخلاصة ان المقامر، لكي يبني نفسه من جديد، عليه ان يفرغ نفسه من كل المعارف السابقة، بما فيها المعارف الموروثة عن ثقافات عقائدية متخلفة، او ثقافات رأسمالية جشعة تهيمن على المواطنين من خلال الاعلانات الجميلة، الافلام الشيقة و الفيديوهات الغنائية الجذابة. ثم ينصب على دراسة الحكمة التي ستخلصه تدريجيا من أمراضه النفسية و آفاته العقلية، و تؤهله لا لكي يصير فيلسوفا أو عبقريا، بل انسانا عاديا، طيبا و ناجحا.

هذه نبذة واقعية عن حياة بعض ضحايا عصابات من هذا النوع:
https://www.channel4.com/news/prostitution-mumbai-india-caged-trafficked-brothels

قصة اثرياء اختاروا الموت على الحياة:
http://www.dailymail.co.uk/news/article-2171536/Eva-Rausing-death-TetraPak-wife-dead-week-bedroom-London-mansion.html

http://www.businesspundit.com/10-millionaire-businessmen-who-committed-suicide/

http://www.alraimedia.com/ar/article/issues/2015/02/18/565133/nr/nc

 

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s