مقدمة

العلاقة بين الدين و الدولة

لا شك أن هناك علاقة قوية بين الدين والسياسات التي تنتهجها الحكومات في جميع أنحاء العالم.

اكتشفت شيرين هانتر ، أستاذة البحث بجامعة جورج تاون ، العلاقة بين الدين وصنع السياسات في كتابها تحت عنوان “الله بجانبنا: الدين و الشؤون الدولية”. ناقشت فيه النتائج التي توصلت إليها في حدث 25 يناير الذي استضافته جامعة جورج تاون.

رغم أن فكرة تأثير الدين على السياسة ترتبط عادة بالأمم غير الغربية ، تقول هانتر إن الدين يلعب دورًا فعالا في تشكيل سياسات جميع الأمم بدون استثناء. حتى في أوروبا اللائكية، تلعب التقاليد الدينية دورًا مهمًا في بناء الثقافة والهوية الوطنية.

سأعرض هنا نقدي الأول للطريقة التي بنت عليها هانتر نظريتها. أسست المؤلفة كتابها على فرضية أن الدين يلعب دورًا في تشكيل السياسة. في الواقع ، هناك علاقة جدلية ثنائية الاتجاه بين السياسة والدين. وبالتالي ، لا يلعب الدين دورًا في تشكيل السياسة ، ولكن بدلاً من ذلك ، يؤثر كل من الدين والسياسة على بعضهما البعض ويشكل كل منهما الآخر عبر التاريخ. و سأعطي مثالا على ذلك من خلال العقيدة الاسلامية. داخل منظومة الشرق الأوسط الثقافية المحافظة ، يقع تبني الإسلام كديانة أخلاقية محافظة جدا في حين تُعْطَى الحرية العقائدية الأولوية اعتمادا على المقولة الشهيرة المستوحاة من الحديث ”لا اكراه في الدين“. ومع ذلك ، فإننا نشهد في الوقت الحاضر مزيدًا من الضغوط على الإسلام لإعادة تكييفه مع نمط الحياة الغربية الأكثر ليبرالية. وبالتالي تعمل السياسات الغربية المعاصرة على برمجة و تمويل دراسات فقهية حديثة تهدف الى إعادة تفسير أو حتى تزوير الوثائق المقدسة للتوصل إلى نصوص تمكن تطبيق الاسلام، كعقيدة مستقبلية للعالم الغربي، تطبيقا خاصا جدا. تكرس هذه الدراسات صبغة الاسلام القصرية – الجبرية من حيث علاقة هذا المعتقد بالعامة اعتمادا على فهم خاص جدا للنصوص الجهادية (التي قد تكون مُختلقة منذ بدايتها) و على سمته الاوتوقراطية من حيث تطبيقاته السياسية. هذا من ناحية. أما من ناحية منظومته الأخلاقية، فتسعى هذه الدراسات الى العثور على، أو إختلاق نصوص دينية تُشَرِّعُ عقيدة أكثر إيباحية. هنا بالتحديد، يقع التركيز على تصوير شخصية محمد (الذي يعتبر المنبع الأول و الأساسي لهذه العقيدة) تصويرا كاريكاتوريا يبرزه في ثوب الرجل الشهواني و المتعطش للجنس و إراقة الدماء. و من ثم، يتم خلق طبيعة إزدواجية لهذه العقيدة الغربية المستقبلية تتسم بالصفة القهرية الشرسة و العنيفة من ناحية، و بصفة التفسخ و الاباحية الاخلاقية من ناحية أخرى.

و لنضرب أمثلة واقعية عن ذلك.

في نهاية القرن التاسع عشر، عاشت البلدان الاسلامية في كامل أنحاء العالم موجات تحديث دعمتها قراءات معاصرة للقران حاولت أن تضفي على النصوص الدينية فهما مثيلا لذلك الفهم الذي أضفاه اللاهوتيون المسيحيون على الكتب المقدسة بعد الثورة العلمية و التي مكنتهم من تحرير الدين من قبظة السلطة و أصحاب النفوذ و الانطلاق به انطلاقا روحيا و عقائديا بحتا.

و لكنه سريعا ما أُحبِطت هذه المحاولات على إثر سيطرة أوروبا على هذه الأقاليم سيطرة عسكرية ثم ثقافية. و من المناقضات السياسية أنه بدل من أن تساعد الدول الأوروبية البلدان الاسلامية المحتلة على تبني ثقافتها، ذهبت في هذا الأمر المذهب المناقظ تماما. 

فقد أثار استعداد الامم الاسلامية لتبني قراءات فقهية حديثة و الانهماك في التقدم العلمي و الاجتماعي جدلا حادا بين الدولة و المؤسسات الاقتصادية و الكنيسة بهياكلها التبشيرية. و كانت النتيجة أن استعداد الامم الاسلامية ذاك كان مصدرا للفزع أكثر منه للراحة، خاصة على المستوى الاقتصادي. و من ثم وقع تغيير وظيفة الهياكل التبشيرية من أداة تنوير الى مؤسسات للجوسسة في حين فُتِحت خزائن الغرب للمرة الأولى عن طريق القنصليات لاختيار و تموين عائلات معينة و توكيلها بوظيفة إعادة النظر في حركة الانفتاح و تكريس الجهود لاحياء ما أرادو تسميته بالفهم التقليدي تارة و بالفهم النهضوي تارة أخرى لاعطائه صبغة شرعية. 

في هذه المنظومة الغربية المستقبلية، يُستعمل الدين الاسلامي كسلاح فتاك ضد كل أنواع حقوق الإنسان من ضمنها حقوق المرأة، حقوق حرية المعتقد، حقوق حرية الأفراد في اختيار أزواجهم و حقوق الأطفال في العيش الرغد و الطاهر. و من ثم، تعمل هذه الابحاث على تمهيد الأرضية لتشريع كل المنكرات من ضمنها الاعتداء و الاغتصاب الجنسي، تحليل جميع المحارم و اغتصاب الاطفال. ضمن هذا المشروع الغربي المستقبلي، تظل فلسفة الثالوث المقدس رمزا للسلطة الوحيدة المطلقة، و لكن يُستَبدل مثلث الأثرياء/الساسة/مؤسسات الاعلام، بالمثلث التاريخي التقليدي : الأثرياء/الساسة/رجال الدين. 

تلاحظ هانتر أيضًا أن الدين أداة مفيدة يمكن أن تستخدمها الحكومات لتعبئة مواطنيها. وتوضح أن حوالي 84 في المائة من العالم يؤمنون بنوع من القوة العليا ، مما يعني أن معظم الناس لديهم قيم أخلاقية معينة يمكن أن يتلاعب بها قادتهم. تقول هنتر: “القوة تحتاج دائمًا إلى أفكار” ، و كل الاهداف أو المشاريع تحتاج الى أفكار لكي يتم تحقيقها. و يشرح مارك هاملتون مقولة الكاتبة كما يلي ”إن ممارسة القوة تتطلب غالبًا التضحية ، والتضحيات تتطلب شيئًا ما يؤمن به الشخص. وبما أن الناس يؤمنون بالدين، فمن السهل حملهم على الإيمان بالتضحيات من أجل دينهم “.

يرتكز نقدي هنا لهذا النص على وجهتين. الوجهة الأولى أنه لا يوجد فهم واضح و وصف دقيق  لكيفية تصور السياسيين للدين وخلفياتهم المرجعية و طرق استخدامهم له بصفة مُفَصَّلَة. هناك شبه تسليم بفرضية علمانية الساسة (تُستعمل العلمانية هنا بمعنى الالحاد لا غير.) و لكن ليس هناك تصريحا تاما – و لو كان افتراضيا – بحقيقة وجهات نظر الساسة في ما يخص الروحانيات في حد ذاتها. بمعنى: هل هناك اجماع تام من طبقة الحكام الغربيين سواء كانوا سياسيين أو اقتصاديين، حول موضوع الروحانيات؟  و من ناحية أخرى، ما هو مدى تأثير مفاهيمهم العقائدية على علاقتهم بالنظم الدينية و استعمالهم إياها للسيطرة على الرَّعِيَّة؟ 

أما الوجهة الثانية للنقد فهو أن هانتر فشلت، رغم طول كتابها و توخيها لتلك اللغة التقنية التي تخاطب فئة معينة من القراء ، فشلت في شرح العلاقة التاريخية بين الدين والسياسة. و من ثم يبدو الأمر و كأنها اعتمدت على فرضية بديهية بأن أي علاقة بين الدين و الدولة يجب أن تكون مظهرا من مظاهر الحداثة التي نعيشها اليوم. و هذا شيئ تدحضه الدراسات التاريخية المعمقة.

Leave a Reply

Please log in using one of these methods to post your comment:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.